يوليو 6, 2024 - 19:16
قبرص .. قواعد أجنبية لدعم إسرائيل ومنصات تجسس وتهديد أمن الشرق الأوسط


عرب جورنال / توفيق سلاّم - 
تحتل جزيرة قبرص الواقعة شمال شرق البحر المتوسط، موقعًا استراتيجيًا هامًا لقربها من منطقة الشرق الأوسط وآسيا والقارة الأوروبية، فهي ملتقى قارات وحضارات ثلاث، أوروبا وآسيا وأفريقيا، الأمر الذي كان له أبعاد إيجابية تمثلت في الثراء الحضاري والتنوع والتلاقح الفكري بين سكانها وشعوب تلك الحضارات، كما أسهم في إنعاش اقتصادها عبر عمليات التبادل التجاري التي كانت تتخذ من موانئ قبرص محطات للتزود بالمؤن اللازمة لمواصلة الرحلات البحرية. لكن هذا الموقع نفسه كان سببًا في مشكلات جمة، ومثَّل على الدوام عامل اضطراب سياسي مستمر وتهديدًا أمنيًا على الشرق الأوسط. ونتيجة لهذه الخصوصية أثار أطماع الإمبراطوريات والدول والممالك التاريخية القديمة الكبرى، فاجتاحت  الجزيرة الكثير من الغزوات، وخضعت في فترات تاريخية مختلفة للاحتلال، وكان أبرزها: الغزوات الفرعونية والحثية والأكادية والفينيقية والآشورية والفارسية والقرطاجية والرومانية والبيزنطية والإسلامية والصليبية والعثمانية والإنجليزية. ولم يتوقف تأثير أمر الموقع الجيو استراتيجي عند حد طمع الإمبراطوريات القديمة والدول الكبرى في السيطرة على الجزيرة القبرصية في العصور التاريخية القديمة، ولكن هذا القدر الجغرافي إمتد وظل مستمرًا حتى الوقت الحاضر. في العام 1878 احتلت بريطانيا قبرص، وأعلنوها في 1925 مستعمرة ملكية، وفي الأربعينيات من القرن العشرين استخدمتها بريطانيا نقطة اتصال وتموين لمستعمراتها وقواتها في مصر وفلسطين والعراق والخليج، وأنشأت عليها قاعدتين عسكريتين لا تزالان تعملان في تأمين المصالح البريطانية حتى الآن. وشكل  الوجود البريطاني فيها بداية التوتر بين الكتلتين الشرقية والغربية، كونها نقطة مهمة لأنشطة حلف شمال الأطلسي.


قبرص والأمن القومي العربي

القرب الجغرافي لقبرص من سواحل بعض الدول العربية مثل سوريا ولبنان وفلسطين ومصر كان دومًا مصدر تهديد للأمن القومي العربي، وخصوصًا عندما تسيطر على هذه الجزيرة دول أو إمبراطوريات لها مصالح تتعارض مع مصالح العرب وأمنهم القومي. فبريطانيا على سبيل المثال وبعد تأميم مصر قناة السويس باشرت حربها بالتعاون مع إسرائيل وفرنسا على مصر انطلاقًا من هذه الجزيرة، وهي الحرب المعروفة بحرب السويس أو العدوان الثلاثي عام 1956. كما لعبت هذه الجزيرة والقواعد الموجودة عليها دورًا في مساعدة إسرائيل في حرب أكتوبر/تشرين الأول عام 1973. واستخدم  ميناء "لارناكا" القبرصي في تقديم تسهيلات ودعم لوجستي لمشاة البحرية الأمريكية والقوات متعددة الجنسيات التي نزلت بيروت عام 1978. وبالإضافة إلى الحروب والعمليات العسكرية سالفة الذكر، فإن النشاط الاستخباري الإسرائيلي في قبرص والموجه إلى العالم العربي بأساليب وطرق مختلفة أمر بات معروفًا. ومن الطرق التي يتبعها الموساد لممارسة أعماله التخفي خلف واجهات الشركات التجارية، التي كثر عددها حتى أصبح في قبرص أكثر من 170 شركة قبرصية يونانية تربطها بإسرائيل علاقات تجارية واسعة ومتعددة ومتشعبة.
وتتألف الجزيرة القبرصية حاليًا من دولتين مستقلتين، إحداهما معترف بها، وهي عضو في الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي وهي الجمهورية القبرصية وعاصمتها نيقوسيا، ومقامة على 65% من مساحة الجزيرة، والثانية مستقلة لكن غير معترف بها سوى من تركيا وتسمى "جمهورية شمالي قبرص التركية" ومقامة على 35% من بقية مساحة الجزيرة وعاصمتها ليفكوشه. وتعتبر جزيرة قبرص الثالثة بين جزر البحر الأبيض المتوسط من حيث الحجم بعد جزيرتي صقلية وسردينيا، وهي تقع في الشمال الشرقي لهذا البحر المهم في طرق الملاحة الرئيسة العالمية. يفصلها عن الشاطئ الجنوبي التركي 75 كلم، وعن غرب سوريا 105 كلم، وعن مصر 380 كلم، وعن بيروت 300كلم وعن اليونان حوالى ثمانمائة كلم.

القواعد القبرصية

لا تتمتع قبرص بمقومات عسكرية كبيرة، وتضم القوات الجوية أسطولاً مكونًا من 20 طائرة مروحية و 4 طائرات من دون طيار، و6 بطاريات للدفاع الجوي. كما تمتلك ثلاث وحدات دفاع جوي تعمل على تشغيل أنظمة صواريخ أرض- جو متعددة، وتنتشر البطاريات في أنحاء الجزيرة، ويتمركز معظمها في القواعد العسكرية الرئيسة للحرس الوطني القبرصي. ولقبرص قاعدتين جويتين وقاعدة بحرية، إضافة إلى بعض المنشآت العسكرية التي تستخدم للأغراض العسكرية إلى جانب الاستخدامات المدنية. وابرز المنشآت العسكرية القبرصية هي قاعدة " أندرياس باباندريو" الجوية وتقع على بعد 10 كيلو مترات من مدينة "بافوس" شمال مطار بافوس الدولي، وهي القاعدة الرئيسة لسلاح الجو القبرصي، وتعد أكبر قاعدة جوية في البلاد، وتشمل على غالب البنية التحتية والعديد من وحدات الاتصال التابعة للقوات الجوية، واهتمت السلطات القبرصية بالنهوض بالبنية التحتية للقاعدة والعمل على تحديثها وتطويرها في أواخر تسعينيات القرن العشرين، فأنشأت حظائر للطائرات وأرصفة
إضافية ومراكز للصيانة. وتمثل القاعدة مقر الوحدة القتالية 55، وهي عبارة عن مجموعة عملياتية مستقلة، تابعة لقيادة القوات الجوية القبرصية، تشبه المجموعات النموذجية لحلف شمال الأطلسي (الناتو)، وتتطلب مهامها دوام الجاهزية على أعلى مستويات الكفاءة للعمل في جميع الظروف والأوقات. والوحدة مسؤولة عن تشغيل 5 أسراب عسكرية. وتشكل القاعدة مركزًا اعتياديًا للمناورات والتدريبات العسكرية المشتركة، التي تقوم بها مع دول عديدة مثل اليونان وفرنسا وإسرائيل والولايات المتحدة والمملكة المتحدة وألمانيا وإيطاليا ومصر.
وعقب معركة طوفان الأقصى التي شنتها المقاومة الفلسطينية في أكتوبر/تشرين الأول 2023 على مستوطنات غلاف غزة، بدأت المروحيات التابعة للقوات الفرنسية والألمانية والهولندية والأمريكية باستخدام قاعدة أندرياس مركزًا لعملياتها في شرق البحر الأبيض المتوسط لإجلاء رعاياها من دول المنطقة، كما تقوم المروحيات التابعة لهذه البلدان بنشاطات تدريبية يومية.

قاعدة لاكاتاميا

تقع قاعدة لاكاتاميا الجوية على بعد 7 كيلومترات جنوب نيقوسيا، وهي إحدى القواعد البريطانية إبّان الاحتلال الإنجليزي للجزيرة، وقد كانت في وقتها قاعدة نشطة، وضم مطارها آنذاك مدرجين. وبعد استقلال البلاد، سلّم البريطانيون القاعدة للسلطات القبرصية، وقد تراجعت أهميتها في أول الأمر، إذ اعتمدت القوات المسلحة القبرصية التمركز في نيقوسيا. وعقب التدخل العسكري التركي في قبرص عام 1974، لم تعد قوات الدفاع القبرصية قادرة على استخدام نيقوسيا، فأعادت تنشيط قاعدة لاكاتاميا، التي أصبحت المقر الرئيس للقوات الجوية القبرصية، كما تم تغيير اسمها إلى نيكولاس لويزو، على اسم أحد الضباط الذين قتلوا في المعارك مع الأتراك، تكريما له. وكان يتمركز في القاعدة سرب العمليات الجوية 449، الذي يقوم بالعمليات العسكرية وتشغيل المعدات والمروحيات فيها. وفي عام 2010، تم توقيف عمل السرب، ودمجت 4 طائرات تابعة له مع السرب 450 في قاعدة أندرياس، وعلى إثر ذلك، قلّ النشاط العملياتي في لاكاتاميا، واقتصر استخدامها على عدد قليل من الطائرات.

قاعدة إيفانجيلوس فلوراكيس

تقع هذه القاعدة البحرية في ماري على الساحل الجنوبي لقبرص. والبنية التحتية للقاعدة ليست مجهزة بما يكفي لتلبية الطلب المتزايد على استخدامها، إذ لا تستطيع السفن الحربية التي يزيد طولها على 65 مترًا الرسو في مينائها. ونظرًا إلى الرسوم الباهظة التي يفرضها ميناء ليماسول المخصخص، فقد أدى هذا الوضع إلى استياء بعض الدول التي تعتمد سفنها على قبرص في استيفاء خدمة الموانئ، مما يتعارض مع رغبة السلطات القبرصية في لعب دور محوري في المنطقة.
وترغب قبرص في تعزيز دورها الجيوسياسي ​​والعملياتي في منطقة شرق المتوسط، كخدمة القطع البحرية الألمانية التي تعمل في إطار مهمة قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان "يونيفيل" وتتخذ من لارنكا مقرًا لها، إضافة إلى السفن الحربية لشركائها الاستراتيجيين مثل الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي واليونان وفرنسا، والتي ترسو في موانئها بشكل متكرر. وفي مايو/أيار 2023، أعلنت قبرص عن تطوير البنية التحتية للقاعدة، وتوسيع الميناء بما يكفل رسو السفن الكبيرة الحجم، وبناء حوض لأعمال الصيانة وإصلاح السفن الحربية. ويرتبط المشروع باتفاقية التعاون العسكري مع فرنسا، التي تسهم في دعم المشروع.

منشآت أخرى

تضم قبرص منشآت عسكرية مهمة كمركز مراقبة القوات الجوية القبرصية، الذي يقع في ترودوس وسط الجزيرة، وهو عبارة عن مركز تحكم يضم العديد من وحدات الرادار وأنظمة القيادة والسيطرة وأنظمة الدفاع الجوي. وتستخدم القوات المسلحة القبرصية منشآت مدنية بشكل منتظم مثل مطاري بافوس ولارنكا الدوليين وميناء ليماسول، وتتيح السلطات هذه المنشآت للأعمال المدنية، وكذلك للاستخدام العسكري الأجنبي، ومن ذلك سماحها للسفن الحربية الفرنسية والألمانية وغيرها باستخدام ميناء ليماسول.

  القواعد الأجنبية في قبرص

 قبرص منذ القدم كانت مستعمرة بريطانيا، ومازالت حتى اليوم  كقاعدة عسكرية لنفوذها الجيوستراتيجي في تواجد القواعد العسكرية التي تلعب دورًا خارجيًا نشطًا، لا سيما القواعد البريطانية والأمريكية، التي تمثل مركزًا لجمع المعلومات الاستخبارية وشبكة مراقبة لمنطقة الشرق الأوسط والبحر الأبيض المتوسط، ونقطة انطلاق رئيسة لتنفيذ عمليات عسكرية واسعة، تخدم المصالح الاستراتيجية الغربية.
ومنذ ثمانينيات القرن العشرين، استخدمت القوات الأمريكية والبريطانية القواعد العسكرية في قبرص مركز انتشار لتنفيذ عمليات واسعة شملت دولاً إقليمية، بما فيها سوريا والعراق وأفغانستان وليبيا واليمن.
وتخدم هذه القواعد المصالح الاستراتيجية الإسرائيلية في المنطقة عبر التعاون العسكري والاستخباري. ومنذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، تدعم القوات الأمريكية والبريطانية إسرائيل في العدوان الذي تشنه على قطاع غزة، وتزودها بالأسلحة والمعلومات الاستخبارية، مستخدمةً قاعدتي أكروتيري وديكيليا.

قواعد بريطانية 

تتمتع قبرص بموقع استراتيجي متوسط بين الشرق والغرب، وتمتاز بقربها من بلدان الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، ومناطق الصراع فيها، لذلك حرصت الدول الكبرى على تثبيت وجود عسكري لها على أراضي الجزيرة، لما يتيحه موقعها من إمكانية الوصول السريع إلى الأهداف. وقد احتفظت بريطانيا بعد استقلال قبرص عنها عام 1960 "بمناطق سيادية" خاضعة لسيطرتها بشكل كامل، وذلك بموجب اتفاقية لندن عام 1959، وتغطي هذه المناطق مساحة تبلغ 256 كيلومترًا مربعًا بما يعادل نحو 3% من مساحة الجزيرة، وتضم منطقتين منفصلتين في جنوبي البلاد، هما: "ديكيليا" و"أكروتيري"، إحداهما في شرق الجزيرة، والأخرى في الغرب. وكلتا القاعدتان  تضمان مطاراً عسكرياً كبيراً، ومحطة استخبارات خاصة بجمع المعلومات الاستخبارية عبر الوسائل الإلكترونية. وتستعد لندن لإنشاء مشروع جديد هناك، خاص بتطوير البنية التحتية للاتصالات العسكرية. فالقوات البريطانية الموجودة هناك  يتلخص هدفها في تأمين الوجود العسكري البريطاني في الجزيرة، للحفاظ على موقع استراتيجي للمملكة في الطرف الشرقي من البحر الأبيض المتوسط، لاستخدامه كنقطة انطلاق لأي قوات يمكن إرسالها في مهمات إلى مواقع في الشرق الأوسط وآسيا. وتنتشر في هذه القواعد بشكل رئيس قوات تابعة لسلاح الجو الملكي، وللقوات البرية "كتائب مشاة"، بما في ذلك القوات ذات الطابع المدني "شرطة وجمارك" تابعة لهذه القوات. كما يوجد في البلاد قوات بريطانية عسكرية أخرى ضمن عملية "توسكا"، تابعة لقوات الأمم المتحدة لمهمة حفظ السلام في قبرص. وتمكنت بريطانيا بفضل المنطقة السيادية من الحفاظ على وجودها العسكري الدائم في نقطة استراتيجية في شرق المتوسط، وإنشاء قاعدتي "أكروتيري" و"ديكيليا" العسكريتين، وبموجب المعاهدة، فإن المملكة المتحدة ليست ملزمة بإبلاغ السلطات القبرصية عن نشاطاتها في تلك المنشآت. وتضم القواعد البريطانية في قبرص كتيبتي مشاة مقيمتين وأذرع دعم، تتمثل في قوات لوجيستية ومهندسي الكهرباء والميكانيكا والشرطة العسكرية وأطباء الجيش. ويقيم في المنطقة السيادية، بحسب أرقام وزارة الدفاع البريطانية لعام 2022، نحو 2490 عنصرًا بريطانيًا تم تعيينهم بشكل دائم للعمل في القواعد. وأصبحت الميزة الاستراتيجية للمنشآت العسكرية في قبرص بالنسبة للمملكة المتحدة أكثر أهمية بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وفي أعقاب الحرب الروسية على أوكرانيا.

قاعدة أكروتيري

تقع قاعدة أكروتيري الجوية في شبه جزيرة أكروتيري جنوبي غربي قبرص، وتضم مستشفى ومحطة أرصاد جوية ومطارًا، وتُستخدم نقطة انطلاق مهمة لسلاح الجو البريطاني، لتأدية مجموعة متنوعة من العمليات العسكرية، تهدف إلى حماية المصالح الاستراتيجية البريطانية، وتعد مرافق الاتصالات في القاعدة عنصرًا مهمًا في توثيق روابط المملكة المتحدة العالمية. وتمثل القاعدة مركزًا متقدمًا للعمليات الخارجية في الشرق الأوسط، وموقعًا للتدريب على الطائرات النفاثة السريعة، وهي كذلك قاعدة عمليات مشتركة نشطة دائمًا لدعم العمليات الجارية في الإقليم، وقاعدة مجهزة للانتشار السريع لطائرات مقاتلة من طراز تايفون وطائرات إف-35.
وتستضيف القاعدة أيضًا طاقما من المروحيات التابعة لسلاح الجو البريطاني للاستجابة لحالات الطوارئ، ودعم مكافحة الحرائق، وتؤدي مروحيات غريفين دورًا مهمًا في عمليات البحث والإنقاذ، بالتعاون مع الشرطة القبرصية والقيادة الجوية للحرس الوطني.
وتعتبر قاعدة "أكروتيري"  القاعدة الجوية الوحيدة في شرق البحر الأبيض المتوسط ، التي تعمل كنقطة انطلاق مهمة للنشاط العسكري البريطاني في الشرق الأوسط، بما في ذلك العمليات في أفغانستان والعراق وليبيا، وأيضًا في تنفيذ الهجمات على اليمن في الأشهر الأخيرة.
ومن المعروف أنه في الماضي استضافت قاعدة "أكروتيري" التابعة لسلاح الجو الملكي نشاطًا عسكريا أمريكيًا، ولكن لا يعرف أي نشاط مماثل من قبل سلاح الجو الإسرائيلي. ووفق الاستراتيجية العسكرية الجديدة لبريطانيا، فإن تعزيز حضورها ووجودها العسكري، في منطقة الشرق الأوسط، يعد من أهم الخطوات التي يمكنها تنفيذها، لكي تعود لندن لأداء أدوار خارجية. خاصةً في ظل الانكفاء الأمريكي قليلاً، عن أداء أدوار عسكرية مباشرة، قد يعرض جنودها وقواعدها لمخاطر جمة، جراء الصراع الحاصل في المنطقة، وتهديد محور المقاومة النهائي بإخراجها من المنطقة عسكرياً. وواشنطن تتيح لبعض حلفائها، وفي مقدمتهم الجيش البريطاني التصدي لقيادة المهام العسكرية، في العديد من الدول كاليمن وسوريا.
بالإضافة إلى تقديم المساعدة أيضاً، لكيان الاحتلال الإسرائيلي، وتحرص الحكومة البريطانية على تأمين حمايتها، ضد قوى محور المقاومة في فلسطين ولبنان وسوريا، من خلال وجودها المباشر في قاعدة التنف (سوريا)، في بعض المواقع على الحدود الشمالية اللبنانية، وانطلاقاً من حضورها العسكري المباشر في قبرص.
 وتأسست قاعدة أكروتيري عام 1955، واستقر فيها حينها 30 جنديًا، وخلال سنة من تشغيلها تم تكثيف وحدة العمل فيها حتى بلغ عدد العاملين 260 ضابطًا و2864 من الرتب المختلفة. وفي أعقاب انسحاب بريطانيا من شرق السويس في أوائل السبعينيات من القرن العشرين، تم نقل جميع طائرات ومروحيات سلاح الجو البريطاني إلى أكروتيري كأسراب دائمة، وبلغت القاعدة في تلك الفترة أوجها، وتدريجيًا تم خفض التسليح فيها، وأصبحت مع نهاية الثمانينات مركز تدريب وتشغيل متقدم.

قاعدة ديكيليا

تقع قاعدة ديكيليا جنوبي شرق قبرص على الشاطئ الشمالي لخليج لارنكا، وتتكون من حوالى 7 كيلومترات مربعة، وهي المقر الرئيس لمنطقة قاعدة السيادة الشرقية، وتُستخدم موقعًا لتمركز القوات البريطانية، ومركز تدريب، ومحطة انطلاق بين بريطانيا وجنوب آسيا والشرق الأقصى. كما تستخدم لأغراض دعم قوات الأمم المتحدة في قبرص. وتتكون من كتيبة مشاة مقيمة، وسرب مهندسين، ووحدات لوجيستية مختلفة، وتضم مستشفى ومطارًا صغيرًا ومدارس وكنيسة والعديد من المرافق الرياضية والترفيهية، ويقطنها مدنيون بريطانيون مع عائلاتهم، يزيد عددهم على 1500 فرد.

المراقبة الجوية 

تكشف المواقع والتطبيقات المتخصصة بمراقبة حركة الطائرات في أجواء المنطقة، تحليقاً دورياً للطائرات البريطانية من كافة الأنواع: طائرات مقاتلة بمهام متعددة من نوع تايفون، وطائرات استطلاعية، وطائرات نقل ضخمة من نوع بوينغ C-17A. وتشرف هاتان المنطقتان على الشريط الساحلي الممتد من سوريا مروراً بلبنان وفلسطين وصولاً إلى ساحل مصر. وتتراوح المسافة بين أقرب النقاط في هاتين المنطقتين، وأقرب المناطق في الساحل اللبناني حوالى. وبالتالي يمكن لهذه الطائرات أن تنفذ مهمات استطلاعية باستمرار، قد يستفيد منها الجيش الإسرائيلي في مهامه، كما يمكن لهذه الطائرات القيام بمهام حربية كما حصل مؤخراً في أجواء قاعدة التنف.

القاعدة الأمريكية

سمحت بريطانيا للقوات الأمريكية بإقامة قاعدة عسكرية على أراضيها السيادية في قبرص، وصرحت وزارة الدفاع البريطانية بأن عناصر عسكرية أمريكية تتمركز في قاعدة سلاح الجو البريطاني في أكروتيري منذ عام 1974، عندما بدأت عملية مراقبة حفظ السلام في الجزيرة. وعلى الرغم من امتلاك الولايات المتحدة قاعدة عسكرية على الأراضي البريطانية في قبرص منذ سبعينيات القرن العشرين، فإن الولايات المتحدة وبريطانيا تكتمتا على حجم الوجود الأمريكي، وما يتعلق بأنشطته العسكرية والاستخبارية في قبرص. وكشف موقع "ديكلاسيفايد" عن انتشار 129 طيارًا أمريكيًا بشكل دائم في قاعدة أكروتيري، إضافة إلى وحدة الاستطلاع الاستكشافي الأول، وهي أقدم وحدة طيران تابعة للجيش الأمريكي، والمسؤولة عن تدريب أطقم طائرات الاستخبارات والاستطلاع.
كما أفاد الموقع بأن القوات المسلحة الأمريكية بنت منشأة مكونة من 147 غرفة على مساحة 1.5 فدان من القاعدة البريطانية لاستيعاب طواقمها العسكرية وأنشطتها. وتقول وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) إن لديها 14 فردًا فقط في قبرص، بمن فيهم 9 من مشاة البحرية وطيارًا واحدًا، بينما لا تعترف الحكومة البريطانية بأي معدات أمريكية في مناطقها السيادية إلا طائرات "يو- 2″، ولكن التقارير تشير إلى وجود وحدات عسكرية أمريكية أخرى نشطة.

مركز استخباري

تُستخدم القواعد العسكرية في المناطق السيادية مركزًا لجمع المعلومات الاستخبارية، وشبكة مراقبة لمنطقة الشرق الأوسط والبحر المتوسط، ومنذ سبعينيات القرن العشرين، بدأ الحديث عن استخدام أمريكا قاعدة أكروتيري محطة لمراقبة أنشطة الاتحاد السوفيتي "السابق". وتشير وثيقة سرية مسربة عن مكاتب الاتصالات الحكومية البريطانية إلى أن قبرص تستضيف مجموعة واسعة من مرافق الاستخبارات البريطانية والأمريكية، وبحسب موقع "ديكلاسيفايد"، فإن القواعد البريطانية في قبرص تشكل أكبر مرافق الاستخبارات البريطانية خارج المملكة المتحدة.
وتمتلك أمريكا 4 مواقع للتجسس، منها: مركز اعتراض الاتصالات في آيوس نيكولاوس في ديكيليا، الذي يُعتقد أنه يعترض المكالمات والرسائل النصية ورسائل البريد الإلكتروني من مختلف أنحاء الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وهناك مركز تنصت آخر يجمع المعلومات الاستخبارية الإلكترونية السرية.

 انطلاق العمليات العسكرية
استخدمت القواعد الأجنبية في قبرص لإطلاق العديد من العمليات العسكرية منذ ثمانينيات القرن العشرين، فقد استخدمت القوات الأمريكية قاعدة أكروتيري في منتصف الثمانينيات لتنفيذ هجمات على ليبيا، وفي عام 1990 انطلقت منها الهجمات على العراق.
وشنت بريطانيا إلى جانب قوات التحالف عام 2014 غارات جوية على تنظيم الدولة الإسلامية في العراق وسوريا باستخدام طائرات متمركزة في منشآتها العسكرية في قبرص، ومنذ بداية القرن الحادي والعشرين، قامت أمريكا بعمليات عسكرية واسعة شملت سوريا والعراق وأفغانستان وليبيا واليمن. واستخدمت القوات البريطانية والأمريكية القواعد في الجزيرة لشن غارات جوية على اليمن على إثر مهاجمة القوات اليمنية القطع البحرية الإسرائيلية والسفن التي تعبر البحر الأحمر من وإلى إسرائيل.

قبرص وإسرائيل

لا تمتلك إسرائيل أي مرافق عسكرية في قبرص، لكنها ترتبط بعلاقات عسكرية ومعاهدات أمنية مع قبرص وبريطانيا وأمريكا، مما يخولها الاستفادة بفاعلية من القواعد العسكرية في الجزيرة. وتتمتع قبرص بعلاقات عسكرية وطيدة مع إسرائيل، وتقوم القوات المسلحة للبلدين بمناورات وتدريبات عسكرية مشتركة تقام سنويًا في إطار برنامج التعاون العسكري بين قبرص وإسرائيل، وتنطلق التدريبات من منطقة معلومات الطيران بنيقوسيا، وتغطي مساحة كبيرة من أراضي قبرص.
ولإسرائيل علاقات استخبارية واسعة النطاق مع الولايات المتحدة، وبحسب وثائق مسربة، تتمتع إسرائيل وفقا لذلك بميزة الوصول إلى مواقع التجسس الأمريكية في المناطق السيادية في قبرص، والاستفادة من بياناتها. وتشير تقارير عديدة، نشرها موقع "ديكلاسيفايد" وصحيفة هآرتس الإسرائيلية، إلى أن وتيرة الرحلات الجوية من أكروتيري إلى إسرائيل ارتفعت بشكل متزايد منذ العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة في خريف 2023. وتضيف التقارير ذاتها أن القوات البريطانية والأمريكية تدعم الهجوم الذي تشنه إسرائيل على غزة بالأسلحة والمعلومات الاستخبارية من قاعدتي أكروتيري وديكيليا، وأن الولايات المتحدة تنقل أسلحة إلى إسرائيل من مختلف أنحاء أوروبا باستخدام قاعدة أكروتيري، ونفت بريطانيا مرارًا قيام سلاح الجو البريطاني بنقل مواد قاتلة إلى إسرائيل. وأعلنت السلطات الأمريكية أن الأنشطة العسكرية الأمريكية في المنطقة متوافقة تمامًا مع القانون الدولي، كما نفت قبرص، في ردها على تهديد حزب الله، أن تكون متورطة في الصراع بأي حال.