أروى حنيش
السابع من أكتوبر 2023، هو يوم غير مسبوق في تاريخ المقاومة الفلسطينية؛ فقد تمكنت قوات تابعة لكتائب عز الدين القسام، الجناح العسكري لحركة حماس، من التسلل داخل الحدود الإسرائيلية وشنت هجوما عسكريا واسعا وجريئًا لم تتوقعه أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية. هذه العملية التي أطلقت حركة حماس عليها اسم “طوفان الأقصى”
، مما أثار ردا فعليا قويا من جانب الكيان، وقد اعتبرت حماس هذه العملية، التي ادت إلى سقوط أكثر من 800 قتيل، واكثر من 2525 جريح بمثابة انتقام من الإجراءات الإسرائيلية، مثل الحصار المستمر على قطاع غزة والتوسع الاستيطاني اليهودي في الضفة الغربية.
بالمقابل اعلنت إسرائيل "حالة الحرب" مع سقوط الاف الصواريخ من قطاع غزة، وأطلق الجيش الإسرائيلي صفارات الإنذار في جميع أنحاء المناطق الجنوبية والوسطى، وحث الإسرائيليين على البحث عن مأوى في منشآت مضادة للقنابل.
وعملية طوفان الأقصى كشفت عن تقصير استخباري كارثي يشبه إلى حد بعيد ذلك الإخفاق الاستخباري قبيل بدء حرب أكتوبر قبل خمسين عامًا والذي أفضى إلى تشكيل لجنة حمّلت الجيش الإسرائيلي مسؤولية التقصير الاستخباري.
وبهذا فأن المعركة التي بدأتها كتائب القسام وكانت زلزالا حقيقيا، في بدايتها، حققت نجاحا قويا ونقلت المعركة لقلب العمق الإسـرائيلي.
وقال إن الإنجازات التي حققتها أكبر من أن تُحصى في الوقت الحالي لعل أهمها كسر نظرية الأمن الإسرائيلي ومعها الصورة الذهنية التي عملت تل أبيب على خلقها على مدار عقود فقد تمرغت العسكرية الصهيونية في الوحل ومعها انهارت أحلام وطموحات نتنياهو السياسية أو بعبارة أخرى انتهى دوره للأبد.
الظروف التي أنتجت المواجهة
يرى الباحث حسن البراري أنه يستلزم فهم قرار وتوقيت قيام كتائب القسام بهذا الهجوم التطرق إلى ثلاثة مستويات تفاعلت في الفترة الأخيرة، ما جعل من هذه المواجهة قرارًا عقلانيًّا من جانب قيادة حماس، بمعنى قرار يأخذ بعين الاعتبار معادلة الكلفة والعائد.
أولًا: المستوى الفلسطيني الإسرائيلي الثنائي.
تجمع الفصائل الفلسطينية المختلفة على أن تشكيل نتنياهو للحكومة الأكثر تطرفًا في تاريخ إسرائيل ما هو إلا تغيير لقواعد اللعبة، فسيطرة الصهيونية الدينية التي تؤمن بـ “حتمية توراتية” تفيد بضرورة السيطرة اليهودية على الأقصى هي من سخرت الحكومة الإسرائيلية ومواردها للإجهاز على القضية الفلسطينية. فهذه الجماعات المتطرفة المهيمنة تؤمن فقط بتفسير لاهوتي واحد وتسعى إلى ترجمته إلى سياسات على أرض الواقع ولا تقيم وزنًا للقانون الإسرائيلي. نتنياهو بدوره خضع لهذه الجماعة خشية من ملاحقات قضائية، وهو بذلك يقدم بقاءه السياسي على أي اعتبار آخر حتى لو كان الأمن الإسرائيلي.
وعليه، تمكنت الصهيونية الدينية من تسيير السياسة الإسرائيلية بشكل استهدف المسجد الأقصى بشكل مباشر محدثةً تقسيمًا مكانيًّا وزمانيًّا على أرض الواقع ما أثار حفيظة الفلسطينيين الذين هبوا وبطرق مختلفة للدفاع عن الأقصى والقدس. فحماس خاضت معركة سيف القدس في عام 2021 وتعود اليوم مرة أخرى لبدء مواجهة عسكرية على نطاق غير مسبوق. وتكمن المفارقة أن تدنيس المستوطنين للمسجد الأقصى والانتهاكات المتكررة له إضافة إلى الاعتداءات الوحشية ضد المرابطين والمصلين والتصريحات العنصرية لأمثال ايتمار بن غفير وسموتريش والتهديد بترحيل الفلسطينيين لم يفضِ إلى إعادة تقييم استخباري في إسرائيل؛ فالتقارير الاستخبارية قبيل بدء طوفان الأقصى كانت تفيد بأن حماس ليست مهتمة الآن في مواجهة عسكرية وأن كل محاولاتها موجهة للحصول على مكاسب مالية واقتصادية وإحكام سيطرتها على القطاع.
على الجانب الفلسطيني، تراجعت نسبة الذين يرون بإمكانية التوصل إلى أي اتفاق -ولو بشكل تكتيكي- يمكن أن يعيد الاستقرار. وفهم الجانب الفلسطيني بأن إسرائيل تسعى إلى اخضاعهم بالكامل مستغلة تغيرات إقليمية وانشغالات دولية بملفات أخرى. وأدت القراءة الفلسطينية الصحيحة لديناميكية القوة داخل المجتمع الإسرائيلي إلى نتيجة تفيد بأن الجانب الإسرائيلي لن يغير من مواقفه إلا في حالة تغير قواعد الاشتباك، لذلك جاء القرار والتوقيت.
ثانيًا: المستوى الإقليمي.
على نحو لافت، ترى إسرائيل بأن التغيّرات الإقليمية تصب في صالحها، وهناك انطباع سائد في إسرائيل يفيد بأنه بالإمكان الاستمرار في قضم الأرض الفلسطينية دون أن يكون لذلك ثمن تدفعه إسرائيل في علاقاتها الإقليمية، ذلك أن الاتفاقات الإبراهيمية التطبيعية منحت صدقية زائفة لسردية اليمين الإسرائيلي التي تفيد بأن هناك فرصة للتوسع وأن العرب لا يضعون فلسطين على سلم أولوياتهم. ولعل الأخبار بأن السعودية وإسرائيل على وشك تحقيق “اختراق” في علاقاتهما الثنائية ترفع من معنويات اليمين الإسرائيلي الذي بات يعتقد بأن الاحتفاظ بالأرض وتحقيق السلام مع دول عربية وازنة هما هدفان لا يتعارضان.
هذه القراءة الإسرائيلية تقابلها قراءة فلسطينية مشككة؛ فنسبة الفلسطينيين الذين يرون في الدول العربية عمقًا لهم في مواجهتهم التاريخية في تراجع شديد، من هنا يشعر الفلسطينيون باليأس من المشهد العربي المتردي ومن إمكانية أن يمد العرب يدهم للفلسطينيين، لذلك قرروا المواجهة لخلط الأوراق الإقليمية ودفع قضية فلسطين مرة أخرى لتحتل مكانة بارزة على سلم الأجندات الإقليمية. وتأتي هذه المواجهة الجديدة في سياق سلسلة من المواجهات التي بدأت بالضفة الغربية في عملية عرين الأسود وما تلاها من عمليات خلقت زخمًا لطوفان الأقصى.
ثالثًا: المستوى الدولي.
يعرف الطرف الفلسطيني بأن المجتمع الدولي أدار ظهره لمطالبه العادلة، فخيار المفاوضات مع إسرائيل برعاية ودعم دوليين لم يفض إلى أي مكسب فلسطيني يقرب من هدف التحرير والاستقلال. فبعد “صفقة القرن” التي دشنت حالة من التقارب مع عدد من الدول العربية، جاءت حرب أوكرانيا لتكشف عن ازدواجية معايير ونفاق غربي غير مسبوق. فدعم أوكرانيا التي تخوض حربًا ضد الغزو الروسي يقابله تمكين أمريكي للمشروع التوسعي الإسرائيلي، وبالفعل جاءت تصريحات الرئيس الأمريكي بايدن ووزير خارجيته بلينكن منسجمة مع الانحياز الأعمى لإسرائيل ومع الازدواجية المقيتة، وعليه منحت إدارة بايدن الضوء الأخضر لنتنياهو وحكومته في شن حرب على الفلسطينيين في غزة تحت يافطة مضللة وهي “حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها أمام الإرهاب الفلسطيني”.
انهيار الجيش الأسرائيلي
رغم أن حماس ألحقت خسائر فادحة بالجيش الأسرائيلي من خلال تعزيز قاعدتها الدفاعية في العقدين الأخيرين، إلا أن إنجازاتها في يومين من المعركة الحالية هي أكثر من كل الحروب السابقة.
ففي فترة قصيرة تمكنت مجموعات المقاومة من قتل مئات الجنود الصهاينة وأسر عدد كبير منهم، وأظهرت هذه العملية أن الکيان الصهيوني ضعيف للغاية، على عكس ادعاءات مسؤوليه، وإذا واصل الفلسطينيون الصراع حسب الخطة، فيمكنهم تحقيق نصر كبير.
بمعنى آخر، دمرت هذه العملية الهيبة العسكرية المزيفة للجيش الصهيوني بشكل كامل، کما أن عدم فعالية منظومة القبة الحديدية في اعتراض صواريخ حماس، ووصول هذه الصواريخ إلى قلب تل أبيب، كلها تؤكد أن الجيش الإسرائيلي فقد توازنه أمام محور المقاومة، ولا يمكن للمستوطنين أن يثقوا بهذا الجيش المهتز لتوفير الأمن لهم، رغم أن العديد من المسؤولين السابقين في تل أبيب أشاروا في الأشهر الأخيرة إلى ضعف الجيش في التعامل مع جماعات المقاومة.
والنقطة المهمة الأخرى في هذه العملية كانت استخدام التكتيكات المفاجئة، التي صدمت الکيان الصهيوني، وكانت هذه العملية شرسةً، لدرجة أنه خلال 20 دقيقة تم إطلاق أكثر من 5000 صاروخ من غزة على الأراضي المحتلة، وأظهرت أن المقاومة في أعلى مستويات الجهوزية العسكرية.
وكان عدد قتلى الجيش الأسرائيلي 800 قتيلاً وأكثر من 2525 جريح، واختفاء اكثر من 750 شخصاً وأسر أكثر من 100 جندي خلال 24 ساعة، هو الإنجاز الذي حققته حماس في معركتها مع الکيان، حتى أن السلطات الصهيونية أعلنت عن سقوط المزيد من الضحايا.
وكانت فصائل المقاومة تدافع من قبل عن أراضيها في قطاع غزة ضد هجمات المحتلين، لكنها الآن تركت الدفاع وتحولت إلى المرحلة الهجومية، لقد تم تدمير الأسلاك الشائكة والأسيجة المحيطة بقطاع غزة، وجری الدخول البري والجوي إلى الأراضي المحتلة لأول مرة في تاريخ صراع الفلسطينيين مع الکيان الإسرائيلي، بل تمكن المقاومون حتى من الاستيلاء على العديد من المستوطنات الصهيونية.
الردود العالمية
أبرز ردود الفعل على العملية الفلسطينية، جاءت على لسان مبعوث الأمم المتحدة للسلام في الشرق الأوسط تور وينيسلاند الذي صرّح أن "هذه هاوية خطيرة" مناشدًا الجميع "التراجع عن حافة الهاوية".
أما واشنطن، فقد نددت عبر وزير خارجيتها أنتوني بلينكن اليوم السبت بما وصفته بـ"هجمات حركة حماس على إسرائيل"، مؤكدةً دعمها "حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها".
بدوره، أصدر وزير الدفاع الأميركي لويد أوستن بيانًا كشف فيه أنه "خلال الأيام المقبلة، ستعمل وزارة الدفاع على ضمان حصول إسرائيل على ما تحتاجه للدفاع عن نفسها وحماية المدنيين من العنف العشوائي والإرهاب" على حد وصفه.
وفي إيران، نقلت وكالات الأنباء الرسمية أن يحيى رحيم صفوي مستشار الزعيم الأعلى الإيراني علي خامنئي هنأ اليوم السبت المقاومين الفلسطينيين، وقال: "سنقف إلى جانب المقاتلين الفلسطينيين حتى تحرير فلسطين والقدس".
كذلك قال المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية ناصر كنعاني إن الهجمات التي شنتها "حماس" اليوم تدل على "الثقة بالنفس لدى الفلسطينيين في مواجهة إسرائيل".
كما عرض التلفزيون الإيراني لقطات لأعضاء في البرلمان وهم ينهضون من مقاعدهم ويهتفون "الموت لإسرائيل".
أوروبيًا، كتب المستشار الألماني أولاف شولتس عبر حساباته على مواقع وسائل التواصل الاجتماعي: "تصل إلينا أخبار مروعة اليوم من إسرائيل. لقد صُدمنا بشدة من إطلاق الصواريخ من غزة وتصاعد العنف. تندد ألمانيا بهذه الهجمات التي تشنها حماس وتقف إلى جانب إسرائيل".
وفي الإليزيه، استنكر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون "بشدة الهجمات على إسرائيل".
كما كتبت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين على منصة "إكس": "إنه إرهاب في أبشع صوره. ولإسرائيل الحق في الدفاع عن نفسها في مواجهة مثل هذه الهجمات الشنيعة"، وفق تعبيرها.
هذا وندد الحلف الأطلسي "بشدة" بالعملية التي تنفذها حركة "حماس" ضد الاحتلال، إذ كتب المتحدث باسم التكتل العسكري ديلان وايت على منصة "إكس": "ندين بشدة الهجمات الإرهابية التي نفذتها حماس اليوم على إسرائيل، شريكة الحلف الأطلسي"، وفق زعمه.
توازيًا، نددت بريطانيا "على نحو قاطع بالهجمات المروعة التي شنتها حماس على مدنيين إسرائيليين. وستدعم دائمًا حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها".
عربيًا، حمَّلت وزارة الخارجية القطرية في بيان اليوم "إسرائيل وحدها مسؤولية التصعيد الجاري الآن بسبب انتهاكاتها المستمرة لحقوق الشعب الفلسطيني".
وأضافت الوزارة أن قطر تدعو "جميع الأطراف إلى وقف التصعيد والتهدئة وممارسة أقصى درجات ضبط النفس".
كما دعت وزارة الخارجية السعودية إلى "الوقف الفوري للتصعيد" بين الإسرائيليين والفلسطينيين.
وتابعت في بيان أن "المملكة العربية السعودية تتابع عن كثب تطورات الأوضاع غير المسبوقة بين عدد من الفصائل الفلسطينية وقوات الاحتلال الإسرائيلي، مما نتج عنها ارتفاع مستوى العنف الدائر في عدد من الجبهات هناك".
من جهتها، حذّرت وزارة الخارجية المصرية من "عواقب وخيمة" لتصعيد التوتر بين إسرائيل والفلسطينيين